
يُعد العقد شريعة المتعاقدين، وهو الإطار القانوني الذي تُنظَّم من خلاله العلاقات التعاقدية بين الأفراد والجهات المختلفة. وقد أولت الشريعة الإسلامية هذا المبدأ عناية خاصة، تأسيسًا على وجوب الوفاء بالعقود، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وما ورد في السنة النبوية المطهرة من قوله ﷺ (” المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرَّم حلالًا أو أحلَّ حرامًا”).
غير أن هذا الاستقرار والتوازن العقدي قد يختل عند إخلال أحد أطراف العقد بالتزاماته الجوهرية، على نحو يُفقد العقد الغاية التي أُبرم من أجلها. وفي هذه الحالة، يفتح النظام المجال أمام الطرف المتضرر للجوء إلى الوسائل القانونية التي كفلها له، وعلى رأسها فسخ العقد والمطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية. وفي هذا الإطار، جاء نظام المعاملات المدنية ليضع تنظيمًا متكاملًا لمسألة فسخ العقد وآثاره، بما يحقق التوازن بين حماية الثقة المشروعة في العقود ومنع التعسف في استعمال الحق، وبما ينسجم مع مقاصد الشريعة ومقتضيات العدالة.
وحيث يقصد بفسخ العقد حل الرابطة التعاقدية بأثر رجعي نتيجة إخلال أحد المتعاقدين بالتزاماته. ويقوم الفسخ في نظام المعاملات المدنية على فكرة جوهرية مفادها أن التزام كل طرف يُعد سببًا لالتزام الطرف الآخر، فإذا تخلف أحدهما عن الوفاء جاز للآخر طلب الفسخ متى كان الإخلال جسيمًا ومؤثرًا في تحقيق الغاية من العقد.
وقد تجلّى هذا المبدأ صراحةً في المادة 107 من نظام المعاملات المدنية، والتي نصت على أنه (” في العقود الملزمة للجانبين، إذا لم يوف أحد المتعاقدين بالتزامه، فللمتعاقد الآخر بعد إعذاره المتعاقد المخل أن يطلب تنفيذ العقد أو فسخه، مع التعويض في الحالتين إن كان له مقتض، وللمحكمة أن ترفض طلب الفسخ إذا كان الجزء الذي لم يوف به المخل قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام”).
ومؤدى ذلك أن الفسخ لا يُعد جزاءً تلقائيًا لمجرد عدم التنفيذ، وإنما يخضع لتقدير قضائي يوازن بين جسامة الإخلال ومصلحة الطرفين.
علاوة على انه لا يُقضى بفسخ العقد لمجرد الإخلال اليسير أو العرضي، بل يتطلب نظام المعاملات المدنية توافر مجموعة من الشروط المتكاملة، من أبرزها أن يكون العقد صحيحًا وملزمًا للجانبين، بما ينشئ التزامات متقابلة، وأن يثبت إخلال أحد الاطراف بالتزام جوهري بما يخل معه التوازن العقدي ويُفرغ العقد من مضمونه.
كما يُشترط – كأصل عام – إعذار الطرف المخل ومنحه مهلة مناسبة للوفاء، ما لم يكن الإعذار غير ذي جدوى أو كان الالتزام محددًا بوقت جوهري. ويُشترط كذلك ألا يكون عدم التنفيذ راجعًا إلى استحالة خارجة عن إرادة المدين، إذ إن الاستحالة غير المنسوبة إليه تُفضي إلى انقضاء الالتزام وانفساخ العقد بقوة النظام، وفقًا لما قررته المادة 110 من نظام المعاملات المدنية. أما إذا كانت الاستحالة جزئية أو وقتية، فيجوز للدائن طلب الفسخ، مع تمكين المحكمة من رفضه إذا كان الجزء غير المنفذ قليل الأهمية، وهو ما يعكس ذات الفلسفة التشريعية القائمة على مراعاة جسامة الإخلال.
اما من حيث آثار فسخ العقد فأنه يترتب عليه– كأصل عام – إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، باعتبار أن الفسخ يُنهي الرابطة التعاقدية بأثر رجعي. غير أن هذا الأثر لا يسري على العقود الزمنية، وعلى رأسها عقد الإيجار، نظرًا لطبيعتها القائمة على امتداد التنفيذ عبر زمن معين.
وعليه، فإذا وقع الفسخ بعد بدء تنفيذ العقد الزمني، ظلت الآثار التي ترتبت عليه قبل الفسخ قائمة وصحيحة، ويُعد المقابل المستحق عن الفترة الممتدة من تاريخ انعقاد العقد وحتى فسخه أجرةً لا تعويضًا، باعتبار أن المنتفع قد استوفى المنفعة محل العقد خلال تلك المدة.
كما يمكن للطرف المتضرر طلب التعويض عن الضرر الناتج عن عدم وفاء الطرف الاخر بالالتزامات التعاقدية، وتضمن النظام ان التعويض يمكن ان يشمل التعويض عن الضرر المادي والضرر المعنوي.
فالضرر المادي يشمل كل خسارة لحقت بالدائن وكل كسب فاته نتيجة عدم التنفيذ، شريطة أن يكون الضرر محققًا، ومباشرًا، وقابلًا للتقدير المالي. ويُقدر التعويض بقدر الضرر دون زيادة أو نقصان، مع مراعاة جسامة الخطأ وظروف كل حالة.
أما الضرر المعنوي، فقد أقر نظام المعاملات المدنية التعويض عنه متى ثبت أن الإخلال التعاقدي ألحق بالدائن أذى نفسيًا، أو مساسًا بسمعته أو اعتباره، ويُترك تقدير هذا التعويض للسلطة التقديرية للمحكمة وفقًا لملابسات كل دعوى.
يتبين مما تقدم أن نظام المعاملات المدنية جسد تنظيم فسخ العقد في المملكة بإطار نظامي متوازن يراعي أحكام الشريعة الإسلامية ومتطلبات المملكة، ويكفل حماية الحقوق المشروعة للأطراف المتعاقدة، ويضمن تحقيق العدالة في المعاملات التعاقدية. كما يُسهم هذا التنظيم في تعزيز الاستقرار والثقة في العلاقات التعاقدية، ويؤكد أهمية الالتزام بالعقود وصياغتها بدقة تجنبًا للنزاعات وحمايةً للمراكز القانونية.
