
تُعد مسألة تحمّل تذاكر السفر الخاصة بالعمال والموظفين غير السعوديين من الموضوعات العملية ذات الأثر المباشر على علاقات العمل في المملكة العربية السعودية، لا سيما في ظل الاعتماد الواسع على العمالة الوافدة في مختلف القطاعات. وتثير هذه المسألة تساؤلات متكررة حول نطاق التزام صاحب العمل بتكاليف تذاكر الطيران، ومدى امتداد هذا الالتزام ليشمل فترات سريان عقد العمل، مثل الإجازات السنوية أو السفر الدوري، أو اقتصاره على تذكرة العودة النهائية بعد انتهاء وانقضاء علاقة العمل.
وتزداد أهمية هذا الموضوع في ظل تباين الممارسات العملية، واختلاف الصياغات التعاقدية، وورود مطالبات عمالية تستند أحيانًا إلى اعتقاد غير دقيق بوجود التزام نظامي عام. وتهدف هذه المقالة إلى توضيح الإطار النظامي المنظم لتذاكر سفر العمال والموظفين غير السعوديين في ضوء نظام العمل، مع التمييز بين الالتزام النظامي والالتزام التعاقدي، وبيان الآثار القانونية المترتبة على أي نزاع قد ينشأ في هذا الشأن.
وحيث نظم نظام العمل التزامات صاحب العمل تجاه العامل غير السعودي على نحو صريح في المادة 40، حيث حدّد المشرّع هذه الالتزامات على سبيل الحصر، وربط بينها وبين حالات محددة. وقد نصت المادة سالفة الذكر على التزام صاحب العمل بتحمل رسوم استقدام العامل غير السعودي، ورسوم الإقامة ورخصة العمل وتجديدهما، ورسوم تغيير المهنة، والخروج والعودة، بالإضافة إلى تذكرة عودة العامل إلى موطنه بعد انتهاء العلاقة التعاقدية.
ويُستفاد من صريح هذا النص أن التزام صاحب العمل بتحمل تذكرة السفر يقتصر نظامًا على حالة واحدة محددة، وهي انتهاء علاقة العمل، دون أن يمتد هذا الالتزام ليشمل تذاكر السفر أثناء سريان العقد، أياً كان سبب السفر أو مدته مالم يرتبط بالعمل او بسببه.
وبطالعة نظام العمل نجد خلوه من أي نص يُلزم صاحب العمل بتحمل تذاكر السفر الخاصة بالعامل غير السعودي خلال سريان عقد العمل، سواء تعلّق الأمر بالإجازة السنوية، أو الإجازات الأخرى، أو السفر الدوري.
وبناءً عليه، فإن الأصل النظامي المستقر يقضي بعدم التزام صاحب العمل بتحمل تذاكر الطيران الخاصة بسفر العامل أثناء سريان العلاقة التعاقدية، باعتبار أن ذلك لا يدخل ضمن الالتزامات المحددة نظامًا. ويعزز هذا الاتجاه نموذج عقد العمل المعتمد عبر منصة ” قوى”، والتي غالبًا ما تقصر التزام صاحب العمل صراحة على تذكرة العودة النهائية بعد انتهاء العقد، دون النص على أي التزام بتحمل تذاكر السفر خلال الإجازات أو غيرها.
وعلى الرغم من عدم وجود التزام نظامي، إلا أن صاحب العمل قد يلتزم بتحمل تذاكر السفر السنوية متى ورد نص صريح بذلك في عقد العمل، أو في لائحة تنظيم العمل المعتمدة من المنشأة.
وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن استحقاق العامل لتذاكر السفر لا ينشأ لمجرد حلول الإجازة السنوية، وإنما يرتبط – متى وُجد نص تعاقدي – بقيام العامل بالسفر فعليًا. فإذا اشترط عقد العمل أو السياسة الداخلية استحقاق التذكرة عند السفر خلال الإجازة، فإن عدم تحقق هذا السفر أو عدم تقديم ما يثبت وقوعه يترتب عليه عدم استحقاق العامل لقيمة التذكرة، ولا يجوز له المطالبة ببدل نقدي عنها، ما لم يتضمن العقد نصًا صريحًا يمنحه هذا الحق.
وفي خلاصة القول، يتضح مما سبق أن نظام العمل السعودي لا يُقر التزامًا نظاميًا عامًا بتحمل صاحب العمل تذاكر الطيران الخاصة بسفر العامل او الموظف غير السعودي أثناء سريان عقد العمل، بما في ذلك الإجازات السنوية، وإنما قصر هذا الالتزام على تذكرة العودة النهائية عند انتهاء علاقة العمل.
ويظل استحقاق تذاكر السفر خلال الإجازات أو غيرها من صور السفر مسألة تعاقدية بحتة، تتوقف على ما اتفق عليه الطرفان صراحةً. وهو ما يبرز الأهمية البالغة للصياغة الدقيقة لعقود العمل ولوائح تنظيم العمل، بما يحقق الوضوح القانوني، ويحد من المنازعات العمالية، ويضمن استقرار العلاقة التعاقدية بين طرفيها.
