
شهد نظام الشركات السعودي تطورًا تشريعيًا نوعيًا مع صدور نظام الشركات الجديد، الذي دخل حيز النفاذ في يناير 2023، في إطار توجه تنظيمي يهدف إلى تحديث البيئة النظامية للشركات، وتعزيز مبادئ الحوكمة، وتنظيم الهياكل الاقتصادية المعقدة التي أصبحت واقعًا عمليًا في السوق السعودي. وتأتي هياكل الشركات القابضة والشركات التابعة في مقدمة هذه الهياكل، لما لها من أثر مباشر على تنظيم السيطرة والإدارة داخل مجموعات الشركات.
وقد أفرد المنظم السعودي الباب التاسع من نظام الشركات لتنظيم الشركات القابضة، واضعًا لأول مرة إطارًا تشريعيًا صريحًا ومتكاملًا يحدد مفهوم الشركة القابضة، ومعايير التبعية، والقيود النظامية المرتبطة بتداخل الملكيات بين القابضة وشركاتها التابعة، بما يحقق التوازن بين المرونة الاستثمارية وحماية المصالح النظامية.
أولًا: الخلفية التشريعية لتنظيم الشركات القابضة
لم يكن نظام الشركات السابق يتضمن تنظيمًا مستقلًا ومفصلًا للشركات القابضة، حيث كانت هذه المسألة تُعالج ضمن أحكام عامة تتعلق بالسيطرة والملكية في الشركات المساهمة أو ذات المسؤولية المحدودة. إلا أن نظام الشركات الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/132) بتاريخ 1/12/1443هـ أدخل تنظيمًا خاصًا للشركات القابضة ضمن الباب التاسع، بما يعكس توجهًا تشريعيًا واضحًا نحو الاعتراف بالهياكل الاقتصادية القائمة على السيطرة والإدارة الموحدة، وضبط العلاقة القانونية بين الشركات داخل المجموعة الواحدة، ومنع إساءة استخدام هياكل التبعية بما يضر بالمساهمين أو الدائنين أو بالسوق بوجه عام.
ثانيًا: مفهوم الشركة القابضة والشركة التابعة
نظّم نظام الشركات السعودي مفهوم الشركة القابضة والشركة التابعة ضمن إطار موحد يقوم على معيار السيطرة القانونية أو الفعلية، مع التأكيد على مبدأ استقلال الشخصية الاعتبارية لكل شركة. وقد عرّفت المادة (226) من نظام الشركات الشركة القابضة بأنها شركة مساهمة أو شركة مساهمة مبسطة أو شركة ذات مسؤولية محدودة تؤسس شركات أخرى أو تمتلك حصصًا أو أسهمًا في شركات قائمة تصبح تابعة لها.
ويُفهم من هذا التعريف أن الشركة القابضة لا تمثل شكلًا قانونيًا مستقلًا بذاته، وإنما هي صفة قانونية تكتسبها الشركة متى توافرت عناصر التبعية، بحيث تكون العبرة بطبيعة العلاقة الفعلية القائمة بين الشركات، لا بمجرد التسمية أو الشكل الظاهري. كما يعكس قصر صفة الشركة القابضة على أنواع معينة من الشركات توجهًا تشريعيًا يربط ممارسة السيطرة وإدارة مجموعات الشركات بالأشكال النظامية التي تتوافر فيها متطلبات الحوكمة والرقابة والإفصاح.
أما الشركة التابعة، فهي الشركة التي تخضع لسيطرة شركة أخرى تُعد في هذه الحالة شركة قابضة، وتتحقق هذه التبعية متى توافرت إحدى صور السيطرة التي اعتد بها النظام، سواء كانت سيطرة قائمة على أغلبية حقوق التصويت، أو على سلطة تعيين أو عزل الإدارة، أو على اتفاق يمنح الشركة القابضة الهيمنة على قرارات الشركة التابعة، أو من خلال التبعية غير المباشرة عبر شركات وسيطة داخل المجموعة. ويُستفاد من ذلك أن معيار التبعية في النظام السعودي يقوم على السيطرة الفعلية المؤثرة في إرادة الشركة وإدارتها، وليس على مجرد الملكية الشكلية.
وعلى الرغم من قيام علاقة التبعية بين الشركة القابضة والشركة التابعة، فإن كلًا منهما تظل محتفظة بشخصيتها الاعتبارية وذمتها المالية المستقلة، فلا يؤدي قيام هذه العلاقة بذاته إلى اندماج الكيانين أو زوال استقلال أي منهما، وإنما يقتصر أثرها على تنظيم العلاقة بينهما في إطار مجموعة شركات تخضع لإدارة أو توجيه موحد، وذلك في الحدود التي رسمها النظام وبما يحقق التوازن بين حرية الاستثمار وحماية السوق وأطرافه المختلفة.
ثالثًا: معايير التبعية في نظام الشركات السعودي
اعتمد المنظم السعودي معيار السيطرة الفعلية وليس مجرد الملكية الشكلية لتحديد التبعية بين الشركات، وهو ما يتماشى مع المعايير الحديثة لحوكمة الشركات. وتتحقق التبعية متى توافرت للشركة القابضة القدرة على السيطرة على قرارات الشركة التابعة، سواء من خلال امتلاك أغلبية حقوق التصويت، أو السيطرة على تشكيل مجلس الإدارة، أو وجود نفوذ فعلي يمكّنها من توجيه سياسات الشركة التابعة وإدارتها.
ويترتب على قيام علاقة التبعية آثار نظامية متعددة، من أبرزها ما يتعلق بالإفصاح، وإعداد القوائم المالية الموحدة، وتحديد نطاق المسؤوليات داخل مجموعة الشركات، بما يعزز الشفافية ويحد من مخاطر إساءة استخدام السيطرة.
رابعًا: حظر التملك العكسي بين الشركة القابضة والتابعة
قررت المادة (118) من نظام الشركات مبدأً جوهريًا يتمثل في عدم جواز امتلاك الشركة التابعة لحصص أو أسهم في الشركة القابضة. ويترتب على مخالفة هذا الحظر بطلان التصرف الناقل للملكية، ومنع التصويت أو اتخاذ القرارات إذا كان التملك سابقًا على قيام علاقة التبعية، إضافة إلى إلزام الشركة التابعة بالتصرف في هذه الحصص خلال مدة لا تتجاوز اثني عشر شهرًا، مع جواز تمديد هذه المدة بقرار من الجهة المختصة.
ويهدف هذا الحظر إلى منع الدوران الصوري للملكية داخل مجموعات الشركات، والحفاظ على وضوح هيكل السيطرة، وحماية مصالح المساهمين والدائنين.
خامسًا: تأسيس الشركات القابضة في المملكة العربية السعودية
يخضع تأسيس الشركات القابضة في المملكة العربية السعودية للأحكام العامة الواردة في نظام الشركات، شأنها في ذلك شأن باقي الشركات التجارية، مع مراعاة الطبيعة الخاصة للشركة القابضة بوصفها أداة لتنظيم السيطرة والإدارة داخل مجموعات الشركات. ولا يُعد تأسيس الشركة القابضة شكلًا قانونيًا مستقلًا، وإنما يتم تأسيسها في إحدى الصور التي حددها النظام، وهي الشركة المساهمة أو الشركة المساهمة المبسطة أو الشركة ذات المسؤولية المحدودة، ثم تكتسب صفة القابضة متى تحقق غرضها في تملك أو تأسيس شركات تابعة.
ويتم تأسيس الشركة القابضة وفق القواعد العامة المتعلقة بإعداد عقد التأسيس أو النظام الأساس، وتحديد رأس المال، وهيكل الإدارة، وبيان أغراض الشركة، وتكتسب صفة القابضة من واقع نشاطها وغرضها الفعلي، لا بمجرد التسمية الشكلية.
سادسًا: حدود مسؤولية الشركة القابضة عن الشركة التابعة
الأصل في نظام الشركات السعودي أن مسؤولية الشركة القابضة عن ديون والتزامات الشركة التابعة تظل محدودة في حدود مقدار مساهمتها في رأس مال الشركة التابعة، وذلك تطبيقًا لمبدأ استقلال الشخصية الاعتبارية والذمة المالية لكل شركة. ومع ذلك، لا يحول هذا المبدأ دون مساءلة الشركة القابضة في الحالات التي يثبت فيها إساءة استعمال السيطرة أو التدخل غير المشروع في إدارة الشركة التابعة بما يترتب عليه إضرار بالغير.
ويُعد هذا التوازن بين استقلال الشخصية الاعتبارية ومنع إساءة استخدام السيطرة أحد أبرز سمات التنظيم الحديث للشركات القابضة في النظام السعودي، بما يحقق حماية فعالة للأطراف ذات العلاقة دون الإخلال بمرونة الهياكل الاستثمارية.
